رسم باللونين الأبيض والأسود لوجه رجل

علم السلوك لفرق تطوير المنتجات: لماذا لا يفعل المستخدمون ما ينوون فعله؟

علم السلوك

تجربة المستخدم المبنية على العلوم السلوكية، وتصميم المنتجات وفقاً للعلوم السلوكية، وتجربة المستخدم القائمة على النظامين الأول والثاني (System 1 & System 2)، ونموذج COM-B، والتصميم القائم على العقلانية المحدودة، وأسباب عزوف المستخدمين عن إتمام الإجراءات

ملخص سريع

يدرس علم السلوك المنهجي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تصرفات البشر، وكيف تسهم الظروف المحيطة - وليس النوايا وحدها - في توجيه هذه التصرفات. وقد برز هذا العلم ليعالج قصور نموذج "الإنسان العقلاني" الذي طالما أثبتت التجربة عدم واقعيته؛ فالناس عادةً ما يقصرون في الادخار، ويتخطون مواعيد اللقاحات، ويتراجعون فجأة عن إتمام عمليات التسجيل رغم رغبتهم الصادقة في إكمالها.

تبلور هذا المجال في شكله الحديث بفضل الأبحاث الرائدة التي قدمها "كانمان" و"تفرسكي" في سبعينيات القرن الماضي حول عملية اتخاذ القرار، ثم لاقى رواجاً واسعاً بين عامة الناس بعد صدور كتاب Nudge (الوخز) لـ "ثaler" و"Sunstein" عام 2008.

وبالنسبة لفرق تطوير المنتجات، هناك ثلاث ركائز أساسية تشكل فارقاً حقيقياً:

  • النظام 1 والنظام 2 (System 1 and System 2): تعتمد أغلب سلوكياتنا اليومية على التفكير السريع واللاوعي الذي تحركه المثيرات التلقائية؛ لذا تلعب واجهة المستخدم دوراً في توجيه السلوك يفوق بكثير نية المستخدم نفسه.

  • نموذج COM-B: لا يمكن للسلوك أن يتحقق إلا بتوفر ثلاثة عناصر معاً: القدرة (Capability)، والفرصة (Opportunity)، والدافع (Motivation)؛ وغياب أي عنصر منها يعني عدم حدوث السلوك تماماً.

  • العقلانية المحدودة (Bounded rationality): يتخذ المستخدمون قراراتهم في ظل ضيق الوقت ومحدودية المعلومات والانتباه. وتطبيق ذلك عملياً يعني: صمّم السياق والبيئة المحيطة أولاً، وسيتشكل السلوك تلقائياً؛ أما التركيز على التحفيز وحده فلن يجدي نفعاً.

لقد واجه كل فريق عمل هذا الموقف من قبل: يؤكد المستخدمون رغبتهم في الميزة الجديدة، وتنجح التجربة بسلاسة، وتكون النصوص واضحة كلياً، ومع ذلك يتراجع المستخدمون في النهاية. تكمن الرغبة السهلة هنا في إلقاء اللوم على المستخدمين، لكن علم السلوك يقدم تفسيراً أفضل: لا توجد مشكلة في المستخدمين أنفسهم، بل إن الفجوة بين النية والتطبيق هي المساحة الطبيعية التي يعيش فيها السلوك البشري، ودور واجهة مستخدم منتجك إما أن يضيق هذه الفجوة أو يوسعها.

لماذا يخذل نموذج المستخدم العقلاني فرق تطوير المنتجات باستمرار؟

لأنه يمرر افتراضاً زائفاً في كل جلسة لمراجعة التصميم: وهو أن المستخدمين سيقرؤون بدقة، ويقارنون بتمعن، ثم يتخذون قرارهم بعناية. الواقع الذي أسماه هيربرت سايمون "العقلانية المحدودة" مختلف تماماً؛ فالناس يتخذون قراراتهم في ظل وقت ضيق، ومعلومات ناقصة، وانتباه مشتت، ويكتفون بما يفي بالغرض. إنهم يختارون أول خيار مقبول يواجههم، لا الخيار الأمثل.

راقب جلسة اختبار حقيقية لسهولة الاستخدام وستدرك ذلك بوضوح طوال الوقت. المستخدمون لا يحللون صفحة الأسعار لديك؛ بل يلقون نظرة سريعة عليها ويركزون على أول رقم تقع عليه أعينهم. ولا يقرؤون نصوص تهيئة المستخدم المكتوبة بعناية؛ بل يبحثون تلقائياً عن زر يعطيهم شعوراً بالتقدم والإنجاز. لا أحد يتكاسل هنا، بل هذا ما يفعله الدماغ السريع والفعال بطبيعته؛ وهو الدماغ الذي تُصمم له كل واجهة مستخدم، سواء اعترف المصمم بذلك أم لا.

ما هما "النظام 1" و"النظام 2"، ولماذا يجب على المصممين الاهتمام بهما؟

يُقسّم إطار دانيال كانمان التفكير إلى نمطين؛ النظام 2 بطيء، ومتأنٍ، ويتطلب جهداً طويلاً؛ وهو النمط الذي ينشط عندما يقارن المستخدمون بين الخطط والأسعار المختلفة لخدمات الشركات. أما النظام 1 فسريع، وتلقائي، وتتحكم فيه البيئة المحيطة؛ وهو النمط الذي يعتمدون عليه في كل شيء آخر تقريباً.

النتيجة المباشرة والواضحة في عالم التصميم هي أن النظام 1 هو الذي يختبر معظم تفاصيل واجهتك ويتفاعل معها. وهذا يعني أن الإشارات البصرية، والإعدادات الافتراضية، وتوزيع العناصر هي ما يوجه المستخدم، وليس النصوص الإقناعية. المستخدم لا يقرر بوعي الضغط على الزر الأساسي الكبير؛ بل إن بروز الزر ووضوحه هو القرار نفسه، الذي اتخذه عقله حتى قبل أن يبدأ بالتفكير والتأمل. لهذا السبب، تنجح التعديلات السياقية البسيطة - مثل تغيير تسمية زر، أو تعديل خيار افتراضي، أو ترتيب الخيارات - في تحقيق نتائج تفوق حملات الإقناع الضخمة بكثير. أنت لا تقنع الطيار، بل تصمم قمرة القيادة التي تقود الطائرة بحد ذاتها.

ما هو نموذج COM-B، وكيف تطبقه على تجربة المستخدم الفعلية؟

يرى نموذج COM-B أن أي سلوك لا يحدث إلا بتوفر ثلاثة عناصر معاً: القدرة (هل يستطيعون فعل ذلك؟)، والفرصة (هل يسمح السياق بذلك؟)، والدافع (هل يريدون ذلك حقاً؟). غياب أي عنصر من هذه العناصر يعني عدم حدوث السلوك؛ فبدون إشارة لا تولد العادة، وبدون مسار مخصص للدراجات لن يركبها أحد مهما بلغت قوة دافعه وحماسه.

جرب تطبيق هذا النموذج على أي مسار مستخدم متعثر، وستحصل فوراً على تشخيص دقيق. هل يتراجع المستخدمون عن إكمال مرحلة التحقق من الهوية (KYC)؟ لنحلل الأمر: هل خطوة تحميل المستندات صعبة ومربكة؟ (القدرة). هل يتصفحون التطبيق على الهاتف أثناء ركوب الحافلة ولا يملكون الوثائق معهم في تلك اللحظة؟ (الفرصة). هل تظهر مكافأة التسجيل متأخرة جداً فلا يكترثون لها؟ (الدافع). تتجه معظم الفرق بشكل تلقائي لحل مشكلة الدافع؛ فيضيفون المزيد من النصوص والمحفزات والإشعارات. لكن نموذج COM-B يخبرك بأن تبدأ بفحص القدرة والفرصة أولاً؛ لأن تبسيط الخطوة أو نقلها إلى توقيت أفضل وأنسب هو الحل الأسهل والأقل تكلفة دائماً.

حلقة السلوك تلعب دوراً حاسماً هنا أيضاً: الإجراء، يليه التفاعل المرتد، ثم التعلم. السلوكيات التي تتلقى استجابة فورية وواضحة تتكرر؛ أما التي يقابلها الصمت فتنتهي وتختفي. هذا هو السر وراء تشكّل العادات ونجاح المحفزات، والسبب في أن شاشات النجاح الفارغة في تطبيقك تدرب المستخدمين تدريجياً وبصمت على المغادرة.

إلى أين يقود هذا كله خطة عملك ورؤيتك المستقبلية؟

إليك ثلاث عادات عملية يجدر بك تبنيها من هذا المجال:

  1. شخّص أسباب تراجع المستخدمين باستخدام نموذج COM-B قبل أن تعيد كتابة النصوص. فمعظم "مشاكل التواصل ونصوص الواجهة" هي في الحقيقة مشاكل في القدرة أو الفرصة متنكرة في زي آخر.

  2. صمّم للنظام 1 أولاً. اجعل الإجراء الصحيح هو الخيار الواضح والتلقائي؛ ووفر متطلبات وجهد النظام 2 للقرارات الحيوية التي تستحق ذلك فعلاً.

  3. حلل السياق والظروف، لا المستخدم. عندما يفشل السلوك المستهدف، لا تسأل أبداً "ما مشكلة هؤلاء المستخدمين؟"، بل اسأل "ما الذي يمنعهم في هذا السياق من تحقيق رغبتهم؟".

بمجرد أن تبدأ في رؤية المنتجات بهذه الطريقة، لن تتمكن من النظر إليها بشكل عادي بعد الآن. فكل شاشة هي بيئة مصممة لتوجيه الخيارات. وسيتناول المقال القادم في هذه السلسلة الأدوات والأساليب الفعالة لتصميم تلك البيئة بذكاء وعناية: عبر التوجيهات غير المباشرة (nudges)، والخيارات الافتراضية، وبنية الاختيار.

إن تطبيق العلوم السلوكية على مسارات تصفح المستخدم الفعلية - وتشخيص أسباب تراجع المستخدمين وإصلاح السياق بدلاً من مجرد تعديل النصوص - يقع في جوهر عملنا في استراتيجية تجربة المستخدم (UX strategy).

جاهز لإطلاق مشروعك القادم؟

إن كنت مستعداً للتوقف عن الدوران في حلقات مفرغة، فنحن هنا لنعمل يداً بيد مع الفرق الطموحة؛ نطوّر الأفكار، ونبحث،
ونصمم لنصل إلى نتائج واضحة الأهداف وجاهزة للتميز والنجاح.

إن كنت مستعداً للتوقف عن الدوران في حلقات مفرغة، فنحن هنا لنعمل يداً بيد مع الفرق الطموحة؛ نطوّر الأفكار، ونبحث، ونصمم لنصل إلى نتائج واضحة الأهداف وجاهزة للتميز والنجاح.