
تجربة المستخدم في الخدمات الحكومية الرقمية بالسعودية: أثر منصة Absher
التقنيات الحكومية (GovTech) في السوق السعودي
الخدمات الحكومية الرقمية في السعودية، تجربة المستخدم لمنصة أبشر، الحكومة الإلكترونية السعودية، تجربة المستخدم للخدمات الحكومية، التحول الرقمي رؤية 2030، تجربة المستخدم للتحول الرقمي السعودي، التقنيات الحكومية في السعودية
إذا أردت أن تفهم بوضوح تطلعات المستخدم السعودي من أي منتج رقمي في عام 2027، فلا تبدأ بالنظر إلى تطبيقات التجارة الإلكترونية أو البنوك الرقمية الناشئة؛ بل انظر أولاً إلى القفزة الهائلة التي شهدتها الخدمات الحكومية الرقمية.
لقد أعادت منصة Absher رسم خارطة التوقعات بالكامل. فعندما يتمكن الملايين من تجديد الإقامة، أو إصدار وثيقة رسمية، أو حجز موعد بلمسات بسيطة عبر هواتفهم وفي دقائق معدودة، فإن سقف توقعاتهم يرتفع تلقائياً، ولن يقبلوا بأي تطبيق تابع للقطاع الخاص يضطرهم للاتصال بمركز خدمة العملاء. هذا ما نسميه "تأثير Absher"؛ حيث ترتقي جودة تجربة المستخدم في المنصات الحكومية بتوقعات الجميع وتضع معايير جديدة للسوق ككل.
هذا المقال مخصص لفرق العمل التي تبني أو تطور الخدمات الرقمية في المملكة -سواء داخل القطاع الحكومي أو في القطاعات المرتبطة به- ممن يتطلعون لمعرفة المعايير الحالية وكيفية التميز في تطبيقها.
ما الذي أثبتته تجربة Absher بوضوح؟
أثبتت المنصة ثلاثة أمور جوهرية أعادت تشكيل السوق:
المواطن يفضل الخدمة الذاتية متى ما تميزت بالفاعلية وسهولة الاستخدام. لم يكن نجاح Absher وانتشارها الواسع وليد حملات تسويقية أو قرارات إلزامية فحسب، بل جاء لأن تجربة الاستخدام كانت أسرع وأسهل بكثير من البدائل التقليدية؛ فلا طوابير، ولا معاملات ورقية، ولا تقيّد بساعات عمل رسمية.
الخدمات الرقمية المصممة باللغة العربية أولاً تحقق نجاحاً استثنائياً على المستوى الوطني. لم تكن المنصة مجرد بوابة مترجمة عن الإنجليزية، وهذا التوجه كان مهماً حينها ولا يزال جوهرياً اليوم؛ فأي خدمة تستهدف الجمهور السعودي وتتعامل مع اللغة العربية كخيار ثانوي، تعزل نفسها عملياً عن جمهورها الأساسي.
الثقة الرقمية في القنوات الحكومية قابلة للانتقال والتعميم. بمجرد أن وثق الناس في تطبيق حكومي لحفظ وثائق هوياتهم وسجلات عائلاتهم، أصبح من السهل عليهم الوثوق بالخدمات الرقمية عموماً، مما عاد بالنفع على الاقتصاد الرقمي بأكمله.
ويعكس صعود المملكة العربية السعودية في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية -لتصبح ضمن النخبة العالمية- ثمار هذا الاستثمار المستمر. لقد حُسمت مسألة البنية التحتية بنجاح، والمحك الحقيقي اليوم هو جودة تجربة المستخدم.
ما هي الثغرات التي لا تزال تواجه المستخدمين في الخدمات الرقمية السعودية؟
من خلال عملنا الوثيق مع مختلف الخدمات الرقمية في المملكة -الخاصة منها وشبه الحكومية- رصدنا تكرار الأخطاء التالية:
تحويل المعاملات الورقية إلى رقمية دون إعادة تصميم التجربة. مجرد نقل الاستمارة الورقية إلى الشاشة لا يعني تحولاً رقمياً حقيقياً. السؤال الأهم هنا ليس "كيف ننشر هذا النموذج عبر الإنترنت؟"، بل "هل يحتاج المستخدم حقاً لتزويدنا بهذه المعلومات، أم أنها متوفرة لدينا بالفعل؟"
تشتت الهوية الرقمية وتعددها. يتوقع المستخدم اليوم تسجيل الدخول مرة واحدة باستخدام نفاذ الوطني، لتتعرف الخدمة عليه مباشرة. أما مطالبة المستخدم بإعادة التسجيل، أو تكرار التحقق، أو إدخال بيانات تحتفظ بها الجهات الحكومية بالفعل، فيُعد تجربة قاصرة ومزعجة وفقاً للمقاييس الحالية للخدمات.
تصاميم مخصصة لأجهزة الكمبيوتر تُعرض على مستخدمين يعتمدون كلياً على الهواتف. الغالبية العظمى من المستخدمين في السعودية يتصفحون خدماتكم عبر هواتفهم الذكية. لذا، فإن أي خدمة تتطلب من المستخدم تكبير ملف PDF لقراءته هي خدمة غير صالحة للاستخدام العملي.
غياب التغذية الراجعة بعد إرسال الطلبات. يظل التساؤل الأكبر والأكثر إثارة للقلق لدى أي مستخدم للخدمات الحكومية هو: "هل تم إرسال الطلب بنجاح؟" إن الخدمات التي تنتهي بشاشة صامتة بعد الإرسال تتسبب في زيادة الضغط على مراكز الاتصال وتفقد ثقة العميل. إن توفير رقم مرجعي، وصفحة لمتابعة حالة الطلب، ورسالة تأكيد واضحة، ليست مزايا إضافية بل هي جوهر تجربة المستخدم الناجحة.
كيف تبدو التجربة المميزة للخدمات الحكومية في عام 2027؟
إليكم خلاصة الممارسات الرقمية الناجحة:
مهمة واحدة لكل مسار تصفح. الخدمة التي تحاول إنجاز كل شيء دفعة واحدة لن تتقن أي شيء. قسّموا الخدمات إلى مهام محددة ومنفصلة يسهل إكمالها خطوة بخطوة.
تعبئة تلقائية شاملة للبيانات. بمجرد التحقق من هوية المستخدم، يجب أن تظهر بياناته الأساسية مثل الاسم، ورقم الهوية، ومعلومات الاتصال تلقائياً. طلب إعادة إدخالها يعطي انطباعاً بأن أنظمتكم لا تتواصل مع بعضها البعض.
لغة عربية واضحة وصياغة طبيعية. ابتعدوا عن التعقيد القانوني أو الترجمة الحرفية من الإنجليزية، واعتمدوا اللغة السلسة والبسيطة التي يستخدمها الشخص لشرح الخدمة لأحد أفراد عائلته.
وضوح تام لحالة الطلب. يجب أن يمر كل طلب بمراحل واضحة يستطيع المستخدم تتبعها بسهولة: تم الاستلام، قيد المعالجة، مكتمل، أو يتطلب إجراءً. تذكروا دائماً أن الصمت يثير قلق المستخدم.
سهولة الوصول كركيزة أساسية لا خيار ثانوي. الخدمات الحكومية موجهة للجميع بلا استثناء، بمن فيهم ذوو الاحتياجات البصرية، والحركية، والإدراكية. هذا ليس واجباً أخلاقياً وإنسانياً فحسب، بل أصبح متطلباً أساسياً في معايير المشتريات والمشاريع الرقمية.
ما الذي يجب على الشركات الخاصة تعلمه من هذا التحول؟
سواء كنت تدير بنكاً، أو مجموعة عيادات، أو شركة خدمات لوجستية، أو منصة تجارة إلكترونية في المملكة العربية السعودية، فإن عميلك سيقارن تجربتك بأفضل تطبيق حكومي استخدمه هذا الأسبوع، شئت أم أبيت.
والخطوة العملية الموصى بها هي إجراء الاختبارات ذاتها على خدماتكم: هل يستطيع العميل إنجاز مهمته الأساسية عبر الهاتف باللغة العربية في أقل من خمس دقائق، ومن خلال تسجيل دخول لمرة واحدة، وبأعلى درجات التأكيد والوضوح عند النهاية؟ إن كانت الإجابة بـ "لا" على أي من هذه النقاط، فهذا هو مسار التطوير الذي يجب أن تبدأوا به فوراً.
نلمس هذا الأمر باستمرار أثناء إجرائنا لعمليات تقييم تجربة المستخدم (UX audits) لعملائنا في السعودية؛ فأكثر المشاكل التي يشتكي منها المستخدمون لا تتعلق بالمظهر البصري، بل بمسار إنجاز المهمة، ووضوح اللغة، وغياب التغذية الراجعة، وهي النقاط ذاتها التي تميزت فيها الخدمات الحكومية الرائدة اليوم.
كيف تبدأ بتطوير وتحسين خدمة رقمية قائمة؟
إن تحديث وتطوير خدمة يعتمد عليها الناس بشكل يومي هو عملية دقيقة وحساسة؛ إذ لا يمكن إيقاف الخدمة أو التأثير على الأنظمة المرتبطة بها. وإليكم المنهجية الفعالة للقيام بذلك:
قيسوا كفاءة المهمة لا مجرد زيارة الصفحة. حددوا أهم خمس مهام ينجزها المستخدمون بكثافة، واحسبوا الوقت المستغرق لإتمامها بالكامل عبر هاتف ذكي حقيقي. هذا الرقم سيكون معياركم الأساسي للقياس.
راقبوا مستخدمين حقيقيين أثناء الاستخدام. تابعوا كيف يحاول العملاء إنجاز المهام على أرض الواقع. الفجوة بين المسار الذي صممتوه والمسار الفعلي الذي يتخذه المستخدم هي قائمة المشاكل التي تتطلب حلاً فورياً.
حسنوا مسار تدفق الخطوات أولاً قبل المظهر الخارجي. إن تصميم مسار مهام سريع وواضح يتفوق دائماً وبمراحل على أي تحديث بصري أو جمالي.
أطلقوا التحديثات تدريجياً وبشكل متتابع. طوروا مهمة واحدة في كل مرة، وقيسوا الأداء والتأثير قبل الإطلاق وبعده.
إذا كانت مؤسستكم تدير خدمة في المملكة العربية السعودية يضطر العميل لاستخدامها دون شغف أو اختيار حقيقي، فإن فرصة التغيير وسد هذه الفجوة قائمة وممكنة. لقد قمنا بتنفيذ العديد من مشاريع التحديث والتحول الرقمي المماثلة في المنطقة. ابدأوا الآن بتقييم مهام خدماتكم الأساسية ←